
طلاب ومتفوقون أُبعدوا وحدهم عن السويد.. قصة «ترحيل المراهقين» تثير الجدل
وتكشف أحدث الحالات عن شباب كانوا في طريقهم للعمل في مجالات تحتاج إليها السويد، من التمريض وطب الأسنان إلى هندسة الميكاترونيك وميكانيكا السيارات، قبل أن تتوقف دراستهم وحياتهم بصورة مفاجئة بسبب قرارات الإبعاد.
عبد الله.. من التفوق في جامعة Chalmers إلى البحث عن مكان للنوم

من أبرز الحالات شاب يُدعى عبد الله، ويُعرف باسم Abbe، ويبلغ 21 عامًا. وصل إلى السويد وعاش فيها نحو ست سنوات، وأنهى دراسته الثانوية ثم التحق بجامعة Chalmers tekniska högskola لدراسة هندسة الميكاترونيك.
وكان عبد الله طالبًا متفوقًا، وحصل على شهادات تقدير بسبب نتائجه الدراسية، كما برز بصورة خاصة في الرياضيات، ووصل الأمر إلى عرض مساعدته في محاضرات مرتبطة بتكنولوجيا وهندسة الحاسوب.
لكن مستقبله تغير عندما صدر قرار بإبعاده. وبحسب ملف القضية، فإن بلوغه سن الرشد أدى إلى عدم اعتباره ضمن الأسرة الأساسية بالطريقة نفسها، رغم بقاء والديه وإخوته في السويد.
وكان عبد الله قد أوضح في طلبه لدى Migrationsverket – مصلحة الهجرة السويدية أن عائلته عاشت سابقًا تحت تهديد تنظيم داعش وميليشيات في العراق، وأنه لا يمتلك شبكة اجتماعية يعتمد عليها هناك.
ورغم دراسته وعمله ووجود أسرته في السويد، خلص تقييم مصلحة الهجرة إلى أن هذه الظروف لم تكن كافية لاعتباره قد كوّن ارتباطًا خاصًا بالسويد يمنحه حق البقاء.
غادر عبد الله السويد مع شقيقه، لكنهما توجها بسبب مخاوفهما إلى دولة أوروبية أخرى، حيث دخل عبد الله في عملية لجوء جديدة.
وهناك تبدلت حياته بالكامل. فبعدما كان يدرس الهندسة في واحدة من أشهر الجامعات التقنية السويدية، وجد نفسه في بعض الفترات بلا سكن مستقر، واضطر، وفق روايته، إلى النوم في الشوارع والحدائق وأماكن مؤقتة.
ويعيش حاليًا في شقة يتشاركها مع ثمانية أشخاص آخرين. كما عمل لفترة في مطعم لنحو 12 ساعة يوميًا مقابل 20 يورو في اليوم، وقال إنه يضطر أحيانًا إلى اللجوء إلى جمعيات خيرية للحصول على الطعام أو مكان للمبيت.
وكان حلمه أن يكمل دراسته ثم يتجه إلى البحث العلمي والدكتوراه، لكنه يقول إن اهتمامه اليوم أصبح منصبًا على العثور على الطعام ومكان آمن للنوم.
ناردين وأمها.. حلم طب الأسنان توقف عند قرار الإبعاد
القصة لا تقتصر على عبد الله. ناردين، 21 عامًا، كانت تعيش في السويد وتعمل في مطعم إلى جانب تحسين درجاتها عبر Komvux استعدادًا لاستكمال تعليمها.
كانت تخطط للدراسة في مجال طب الأسنان أو تخصصات صحية أخرى، لكن في مايو 2026 أُبعدت إلى مصر، بينما بقيت والدتها في السويد وتعمل في رعاية كبار السن.

وتعيش ناردين حاليًا بمفردها في مصر، بينما حاولت إيجاد طريق قانوني للعودة من خلال الدراسة في السويد. وقدمت طلبات لبرامج من بينها التمريض وطب الأسنان والطب الحيوي.
لكن الدراسة كطالبة أجنبية يمكن أن تضع أمامها تكلفة ضخمة؛ وفي حالتها قُدرت الرسوم بما لا يقل عن نحو 200 ألف كرون لكل سنة دراسية، وقد تصل تكلفة برنامج دراسي كامل إلى قرابة مليون كرون.
دونيور.. وظيفة كانت تنتظره لكنه أُبعد إلى أوزبكستان
أما Doniyor، البالغ 19 عامًا، فكان يدرس السنة الأخيرة في برنامج المركبات في Praktiska gymnasiet.

وصل إلى السويد في سن 11 عامًا وعاش فيها 8 سنوات مع والديه وإخوته. وكان متفوقًا في تخصصه إلى درجة أن زملاءه وصفوه بأنه من أبرز طلاب الفصل، كما أعجب به مكان التدريب العملي ووعده بورشة سيارات بوظيفة بعد الدراسة.
لكن بدلًا من التخرج والبدء في العمل، أُبعد بمفرده إلى أوزبكستان، في حين بقي أفراد أسرته في السويد بتصاريح إقامة.
ويقول إنه يشعر في أوزبكستان وكأنه سائح، لأن حياته ونشأته خلال سنوات المراهقة ارتبطتا بالسويد، ولا يعرف بصورة كافية كيف يتعامل مع النظام والحياة في البلد الذي أُعيد إليه.
شقيقتان تدرسان التمريض
وتظهر المشكلة كذلك في حالة الشقيقتين Donya وDarya، اللتين كانتا تدرسان التمريض في Högskolan Väst بمدينة ترولهاتان.

أُبعدت الشقيقتان إلى إيران، بينما احتفظت الجامعة بمكانيهما في البرنامج الدراسي أملاً في إمكانية عودتهما.
ومن إيران قدمتا طلبات للحصول على إقامة للدراسة في السويد، إلا أنهما تلقتا قرارات بالرفض. وترى مصلحة الهجرة، بحسب القضية المنشورة، أن رغبتهما في العودة لا ترتبط بالدراسة وحدها.
أما الشقيقتان فتقولان إن خطتهما كانت إكمال دراسة التمريض ثم العمل في قطاع الرعاية الصحية السويدي.
ما حجم الظاهرة؟
لم تعد القضية تتعلق بعدد محدود من الأمثلة. فقد أظهر فحص لقرارات مصلحة الهجرة نشرته صحيفة Aftonbladet أن ما لا يقل عن 121 شابًا وشابة بين 18 و21 عامًا حصلوا خلال عام 2025 على قرارات من هذا النوع، وهو رقم أكبر من التقديرات التي ظهرت في المراحل الأولى من التحقيق الصحفي.والقاسم المشترك في عدد كبير من الحالات هو أن الشاب كان قد تجاوز سن 18 عامًا وأصبح قانونيًا شخصًا بالغًا، بينما حصل والداه أو أفراد آخرون من أسرته على حق البقاء في السويد. والمشكلة القانونية يتعلق بالانتقال من مرحلة الطفولة إلى سن الرشد، وكيف يُقيّم الارتباط بالوالدين في قانون الهجرة. فالشخص الذي كان يعيش في السويد باعتباره ابنًا أو ابنة ضمن علاقة أسرية قد يجد وضعه القانوني مختلفًا عندما يصبح بالغًا، خصوصًا إذا لم تتحقق شروط أخرى تسمح له بالحصول على إقامة مستقلة.
كما جاء الملف في ظل تشديد سياسة الهجرة السويدية وإلغاء إمكانية منح الإقامة وفق بعض القواعد السابقة، في ظل حكومة تيدو وتوجيهات حزب سفاريا ديمقارطنا ومنها التغيير الذي أُدخل على قاعدة särskilt ömmande omständigheter – الظروف المؤلمة بشكل خاص في نهاية عام 2023.
وأثارت كذلك فترات معالجة الملفات الطويلة انتقادات، لأن بعض الشباب تقدموا بطلباتهم وهم أصغر سنًا، لكنهم بلغوا 18 عامًا أثناء انتظار القرار. فهناك أيضًا شباب لم يبلغوا 21 عامًا بعد، لكنهم يخشون الوصول إليها أثناء انتظار مصلحة الهجرة لمعالجة طلباتهم.
قضية «ترحيل المراهقين» تضع السياسة السويدية أمام سؤال يتجاوز الحالات الفردية: ماذا يحدث عندما يكون تطبيق شروط الإقامة قانونيًا، لكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى إخراج شباب تعلموا السويدية، وأكملوا مدارسهم، وبدأ بعضهم الدراسة الجامعية أو التدريب على مهن يحتاج إليها سوق العمل؟
قصة عبد الله تختصر هذا التناقض بوضوح؛ طالب متفوق انتقل من دراسة الهندسة في Chalmers والتخطيط لمستقبل أكاديمي وبحثي في السويد، إلى حياة غير مستقرة خارجها والبحث عن مكان للنوم.









